الغزالي

151

إحياء علوم الدين

عيسى صلَّى الله عليه وسلم ، من علم وعمل وعلَّم فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء . ولا يتم التعليم إلا بمتعلم . فهو إذا آلة في تحصيل هذا الكمال . فإن أحبه لأنه آلة له ، إذ جعل صدره مزرعة لحرثه الذي هو سبب ترقيه إلى رتبة التعظيم في ملكوت السماء ، فهو محب في الله . بل الذي يتصدق بأمواله لله ، ويجمع الضيفان ، ويهيء لهم الأطعمة اللذيذة الغريبة تقربا إلى الله ، فأحب طباخا لحسن صنعته في الطبيخ ، فهو من جملة المحبين في الله . وكذا لو أحب من يتولى له إيصال الصدقة إلى المستحقين ، فقد أحبه في الله بل نزيد على هذا ونقول ، إذا أحب من يخدمه بنفسه في غسل ثيابه ، وكنس بيته وطبخ طعامه ، ويفرغه بذلك للعلم أو العمل ، ومقصوده من استخدامه في هذه الاعمال الفراغ للعبادة ، فهو محب في الله بل نزيد عليه ونقول ، إذا أحب من ينفق عليه من ماله ، ويواسيه بكسوته وطعامه ومسكنه وجميع أغراضه التي يقصدها في دنياه ، ومقصوده من جملة ذلك الفراغ للعلم والعمل المقرب إلى الله ، فهو محب في الله . فقد كان جماعة من السلف تكفل بكفايتهم جماعة من أولى الثروة ، وكان المواسى والمواسى جميعا من المتحابين في الله بل نزيد عليه ونقول من نكح امرأة صالحة ، ليتحصن بها عن وسواس الشيطان ويصون بها دينه ، أو ليولد منها له ولد صالح يدعو له وأحب زوجته لأنها آلة إلى هذه المقاصد الدينية فهو محب في الله . ولذلك وردت الاخبار [ 1 ] بوفور الأجر والثواب على الإنفاق على العيال حتى اللقمة يضعها الرجل في في امرأته بل نقول كل من اشتهر بحب الله وحب رضاه ، وحب لقائه في الدار الآخرة فإذا أحب غيره كان محبا في الله . لأنه لا يتصور أن يحب شيئا الا لمناسبته لما هو محبوب عنده وهو رضا الله عز وجل بل أزيد على هذا وأقول ، إذا اجتمع في قلبه محبتان محبة الله ومحبة الدنيا ، واجتمع في شخص واحد المعنيان جميعا ، حتى صلح لأن يتوسل به إلى الله وإلى الدنيا ، فإذا أحبه لصلاحه للأمرين ، فهو من المحبين في الله . كمن يحب أستاذه الذي يعلمه الدين ويكفيه مهمات الدنيا